ابن كثير

331

البداية والنهاية

الضبي ( 1 ) ، ويحيى بن عبد الحميد الحماني ( 2 ) . ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين فيها أمر الواثق بعقوبة الدواوين وضربهم واستخلاص الأموال منهم ، لظهور خياناتهم وإسرافهم في أمورهم ، فمنهم من ضرب ألف سوط وأكثر من ذلك وأقل ، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار ، ودون ذلك ، وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشرط بالعداوة فعسفوا وحبسوا ولقوا شرا عظيما ، وجهدا جهيدا ، وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم ، وأقيموا للناس وافتضحوهم والدواوين فضحية بليغة . وكان سبب ذلك أن الواثق جلس ليلة في دار الخلافة وجلسوا يسمرون عنده ، فقال : هل منكم أحد يعرف سبب عقوبة جدي الرشيد للبرامكة ؟ فقال بعض الحاضرين : نعم يا أمير المؤمنين ! سبب ذلك أن الرشيد عرضت له جارية فأعجبه جمالها فساوم سيدها فيها فقال : يا أمير المؤمنين إني أقسمت بكل يمين أن لا أبيعها بأقل من مائة ألف دينار ، فاشتراها منه بها وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث إليه بالمال من بيت المال ، فاعتل بأنها ليست عنده ، فأرسل الرشيد إليه يؤنبه ويقول : أما في بيت مالي مائة ألف دينار ؟ وألح في طلبها فقال يحيى بن خالد : أرسلوها إليه دراهم ليستكثرها ، ولعله يرد الجارية . فبعثوا بمائة ألف دينار دراهم ووضعوها في طريق الرشيد وهو خارج إلى الصلاة ، فلما اجتاز به رأى كوما من دراهم ، فقال : ما هذا قالوا : ثمن الجارية ، فاستكثر ذلك وأمر بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة ، وأعجبه جمع المال في حواصله ، ثم شرع في تتبع أموال بيت المال فإذا البرامكة قد استهلكوها ، فجعل يهم بهم تارة يريد أخذهم وهلاكهم ، وتارة يحجم عنهم ، حتى إذا كان في بعض الليالي سمر عنده رجل يقال له أبو العود فأطلق له ثلاثين ألفا من الدراهم ، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك فطلبها منه فماطله مدة طويلة ، فلما كان في بعض الليالي في السمر عرض أبو العود بذلك للرشيد في قول عمر بن أبي ربيعة : وعدت هند وما كادت تعد * ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد

--> ( 1 ) البغدادي وكان ثقة مبرزا على أصحابه . سمع نافع بن عمر الجمحي وطائفة . ( 2 ) أبو زكريا الكوفي الحافظ أحد أركان الحديث ، وثقه ابن معين وضعفه غيره .